علي بن أحمد المهائمي
504
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
تزكيهم ربما رجعوا إلى عبادتي ، وكملت مرآتيتهم ، فلم يكن ينبغي لك أن تسفك دماءهم بغير تحقق فساد مرآتيتهم بالكلية ، وإفساد من كملت مرآتيته مع أن لك قدرة على تحصيل العلم بذلك بنبوتك ، بخلاف من لا يقدر على اليقين في ذلك مع عدم ضرر الفساد ، وعمومه لو وقع فله أن يكتفي بمظنة الفساد دونك ؛ ( فقال : يا رب ! فاجعل بنيانه على يدي من هو مني ) ؛ لأنه لما كان من كسبي كان عمله من عملي بوجه من الوجوه . وقد ورد : « إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاثة : صدقة جارية ، وعلم ينتفع به ، وولد صالح يدعو له » « 1 » . ( فأوحى اللّه إليه أن ابنك سليمان ) الذي هو أكمل أبنائك ( يبينه ) ، فيحصل لك ثواب أكمل عام من أولادك ، وهو وإن سفك الدماء فعله لم يسفك دم أحد بيده ، فإن سفك فلم يسفك إلا بالوحي الخاص الإلهي في حقّه دون العام ، كفعل داود عليه السّلام ، ولعل من قتله نبينا عليه السّلام فإنما قتل بالوحي الخاص فيه أو بما تغرس فيه من فساد مرآتيته أو إفساده المرايا الكاملة يقينا ، ( فالغرض من هذه الحكاية ) ليس إشارة إلى منع الجهاد ، بل ( مراعاة هذه النشأة الإنسانية ) ما لم يترجح مظنة الفساد منها ، وذلك ( أن إقامتها أولى من هدمها ) فيما اجتمع فيه موجب الشفقة مع موجب الغيرة لرجحان الشفقة حينئذ ؛ لأنها من الرحمة السابقة . واستشهد على ذلك بأمثلة من الشرع ، فقال : ( ألا ترى عدو الدين ) مع ما يتوقع منهم إفساد الأديان لو لم يقاتلوا ( قد فرض ) أي : أمر ( اللّه في حقهم الجزية والصلح إبقاء عليهم ) ؛ لعلهم إذا عسر عليهم احتمال الجزية مع ما فيها من الذلة ، وقد زال فسادهم بالصلح يرجعون إلى الحق ، وقال : وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ أي : للصلح ، فَاجْنَحْ لَها ؛ لعلهم كما رجعوا عن العداوة يرجعون إلى الحق ، وفي ذلك صلاحهم ، وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ، فدفع ما يتوهم فيهم من الإفساد . [ ألا ترى من وجب عليه القصاص كيف شرّع لوليّ الدّم أخذ الفدية أو العفو ؟ فإن أبى فحينئذ يقتل ؟ ألا تراه سبحانه إذا كان أولياء الدّم جماعة فرضي واحد بالدّية أو عفاه ، وباقي الأولياء لا يريدون إلّا القتل ، فكيف يراعى من عفا ويرجّح على من لم يعف فلا يقتل قصاصا ؟ ألا تراه عليه السّلام يقول في صاحب النسعة « إن قتله كان مثله » ؟ ] . ثم أشار إلى أنه لو تحقق من واحد إفساد لو توقع منه في المستقبل الصلاح لم تترجح الغيرة في حقّه ؛ فقال : ( ألا ترى من وجب عليه القصاص كيف شرع ) ، أي : جوز ( لولي
--> ( 1 ) رواه الترمذي ( 3 / 660 ) ، وابن حبان ( 7 / 286 ) ، وابن خزيمة ( 4 / 122 ) .